يشهد العالم اليوم سباقاً محموماً لتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، ليس فقط داخل أروقة شركات التكنولوجيا العملاقة، بل وحتى في المؤسسات التعليمية التي تسعى جاهدة لمواكبة سوق عمل يتغير بسرعة البرق. فمن ولاية نيو مكسيكو الأميركية وصولاً إلى الشراكات الحكومية في المملكة المتحدة، تتضافر الجهود الأكاديمية والاستثمارية لرسم ملامح مستقبل تقني أكثر ذكاءً وشمولية.
جامعة “نيو مكسيكو” تقود تحولاً أكاديمياً
في خطوة استباقية لردم الفجوة بين التعليم النظري والتطبيق العملي، أطلقت جامعة ولاية نيو مكسيكو (NMSU) في ربيع عام 2025 “معهد الممارسة التطبيقية في الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة”. هذا المشروع الطموح لم يأتِ من فراغ، بل دُعم بتمويل مالي قوي بلغ 2.5 مليون دولار، مقسمة بين نصف مليون من مكتب رئيس الجامعة فاليريو فيرمي، ومليوني دولار قدمتها ولاية نيو مكسيكو.
وأوضح إينريكو بونتيلي، عميد كلية الآداب والعلوم ورئيس المعهد الجديد، أن الرسالة الأساسية للمعهد تكمن في جمع الباحثين والتربويين والممارسين تحت مظلة واحدة، بهدف قيادة المنطقة والولاية نحو تطبيق نماذج ذكاء اصطناعي تقدم حلولاً عملية لتحديات واقعية تواجه المجتمع. ولا يقتصر هذا الحراك على كلية بعينها، إذ تنخرط جميع كليات الجامعة في هذا الجهد، وتستعد الجامعة لإطلاق أول درجة بكالوريوس في الذكاء الاصطناعي على مستوى الولاية بحلول خريف 2026، بالتزامن مع التحضير لإطلاق برنامج ماجستير مبتكر في الذكاء الاصطناعي التطبيقي.
وعلى الأرض، بدأت ثمار هذه الجهود بالظهور فعلياً؛ فقد نجحت كلية العلوم الزراعية والاستهلاكية والبيئية في مساعدة أصحاب المزارع على استخدام “السياج الافتراضي” لمراقبة الماشية والسيطرة عليها في مساحات شاسعة، خاصة بعد أن تسببت الحرائق الأخيرة في تدمير العديد من الأسيجة المادية. وفي السياق ذاته، بدأت أقسام أخرى كقسم المحاسبة بطرح مساقات متخصصة تستكشف استخدامات الذكاء الاصطناعي في تخصصات دقيقة.
تحركات استراتيجية لشركة IBM في الأسواق العالمية
وبالنظر إلى المشهد من زاوية السوق والشركات الكبرى، تواصل شركة “آي بي إم” (IBM) ترسيخ أقدامها كلاعب محوري في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. الشركة وسعت دورها في مجال التعليم من خلال شراكة استراتيجية مع الحكومة البريطانية تهدف لرفع مهارات ملايين العمال في المجالات التقنية ذات الصلة، في وقت تتوقع فيه التقديرات – بحسب بونتيلي من جامعة نيو مكسيكو – أن يتجاوز حجم سوق الذكاء الاصطناعي الأميركي حاجز 250 مليار دولار بحلول عام 2027، بعد أن تضاعف عشر مرات في السنوات الخمس الماضية.
وفيما يخص الابتكار وحماية الملكية الفكرية، أخذت IBM زمام المبادرة في حماية براءات الاختراع مفتوحة المصدر عبر إطار عمل “شبكة الابتكار المفتوحة 2.0” المحدث. وتزامن ذلك مع طرح الشركة لمنتجات ذكاء اصطناعي جديدة، تشمل أدوات “الذكاء الاصطناعي الوكيل” (Agentic AI) المخصصة للامتثال المؤسسي، ومنصات تفاعل المعجبين التي أثبتت كفاءتها في فعاليات عالمية ضخمة مثل حفل توزيع جوائز “غرامي”.
ثقة المستثمرين ونظرة نحو المستقبل
تنعكس هذه التحركات الميدانية بوضوح على أداء الشركة المالي، حيث يحظى سهم “آي بي إم” باهتمام المستثمرين مع وصول سعره إلى 293.86 دولاراً، محققاً عائداً سنوياً بنسبة 33.6%، وعائداً لافتاً خلال ثلاث سنوات بلغ 143.3%. ويرى المراقبون أن هذه المبادرات تعزز مكانة الشركة كاسم أساسي في تكنولوجيا المؤسسات، حيث تركز سردية IBM الحالية على الحوسبة السحابية الهجينة وتنفيذ البرمجيات الموثوقة.
وتشير مشاريع مثل “GRAMMY IQ” وحلول الامتثال لشركة “e&” إلى استراتيجية الشركة الرامية لإثبات أن حزمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، وتحديداً منصة “watsonx”، ليست مجرد أدوات مخبرية، بل هي حلول قادرة على العمل داخل بيئات تخضع لرقابة صارمة، فضلاً عن قدرتها على إدارة تجارب المستهلكين ذات الكثافة العالية. هذه الموثوقية هي ما يميز IBM عند مقارنتها بمنافسين آخرين مثل مايكروسوفت وجوجل.
إن التكامل بين ما تقوم به مؤسسات أكاديمية مثل جامعة نيو مكسيكو من تأهيل للطلاب أخلاقياً وتقنياً، وما تنفذه شركات عملاقة مثل IBM من تطوير للأدوات وتأهيل للقوى العاملة الحالية، يرسم صورة واضحة لمستقبل لا يكون فيه الذكاء الاصطناعي مجرد ترف تقني، بل ضرورة ملحة لحل المشكلات وتطوير الاقتصاد.