شهد شهر ديسمبر تحولاً مفصلياً في قطاع تكنولوجيا التعليم، حيث انتقل التركيز من مرحلة التنظير والتجريب إلى خطوات تنفيذية ملموسة. طغت على المشهد أخبار الشراكات الاستراتيجية، والانتشار الواسع للأنظمة داخل الجامعات، بالتزامن مع تصاعد التحذيرات الأمنية. ومع إغلاق القطاع لملفات العام الحالي، بدا واضحاً أن عام 2026 سيدخله التعليم بتوقعات أعلى وأسئلة مفتوحة أقل، وسط توازن دقيق بين استغلال الفرص وتحمل المسؤولية الرقمية.
التوجه الحكومي والشركات الكبرى نحو التطبيق الفعلي
في خطوة تعكس جدية التوجهات الوطنية، استهل الشهر أحداثه بإعلان الحكومة البريطانية عن شراكة ضخمة مع “Google DeepMind”. هذا الاتفاق لم يكن مجرد تعاون تقني، بل إشارة واضحة لدمج التعليم ضمن الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، حيث يشمل الاتفاق إنشاء مختبر أبحاث مؤتمت ومنح الباحثين البريطانيين أولوية الوصول للنماذج المتقدمة، مما يؤكد أن أدوات التعليم المدعومة بالذكاء الاصطناعي لم تعد سياسة منعزلة بل جزءاً من الأمن القومي والعلمي.
وعلى صعيد القطاع الخاص، عززت شراكة “بيرسون” مع “IBM” هذا التوجه، موجهة البوصلة نحو بيئات العمل. من خلال منصة “watsonx”، يتم دمج التعلم مباشرة في سياق العمل اليومي بدلاً من البرامج التدريبية التقليدية المنفصلة، وهو ما يعكس قناعة متزايدة بأن تطوير المهارات مستقبلاً سيعتمد على التطبيق الفوري والتحقق من المهارات أكثر من الاعتماد على الدورات الجامدة.
الجامعات تعيد هيكلة أولوياتها الأكاديمية
لم تقف مؤسسات التعليم العالي موقف المتفرج، بل بدأت بتغييرات هيكلية طويلة الأمد. جامعة نيويورك (NYU) أعلنت عن تأسيس مدرسة “Courant” الجديدة التي تدمج الرياضيات والحوسبة وعلم البيانات تحت سقف واحد، في خطوة تهدف لمواءمة التخصصات الأساسية مع متطلبات البحث المستقبلي بعيداً عن مجرد اللحاق بالترند التكنولوجي القصير.
وفي سياق متصل، اتخذت كلية “دارتموث” خطوة جريئة بكونها أول جامعة من رابطة “الآيفي ليغ” تتيح الوصول لنموذج “Claude AI” لكافة الحرم الجامعي بالتعاون مع “Anthropic” و”AWS”. هذا التحرك ينقل الذكاء الاصطناعي من كونه أداة اختيارية إلى مورد أكاديمي مشترك، مما يعكس نضجاً في التعامل مع التكنولوجيا كجزء من البنية التحتية التعليمية والأخلاقية للمؤسسات.
الواقع الميداني: مخاوف الأمن وتوترات القوى العاملة
رغم هذه الاندفاعة، كشف تقرير صادر عن “Action1” عن جانب مقلق، مشيراً إلى أن معظم المدارس لا تزال غير مهيأة لمواجهة هجمات برامج الفدية والهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. فبرغم زيادة الميزانيات، لا تزال المؤسسات تعاني من نقص الكوادر والثغرات الهيكلية، مما يضع العمليات المدرسية اليومية في دائرة الخطر الرقمي.
هذا القلق انسحب أيضاً على القوى العاملة، حيث كشفت دراسة واسعة أجرتها “Anthropic” شملت 1250 مقابلة عن تباين كبير في استيعاب الموظفين للذكاء الاصطناعي. فبينما يشعر المبدعون بقلق مصحوب بزيادة في السرعة الإنتاجية، يبدي العلماء تشككاً حول الموثوقية، في حين يعيد كثيرون تشكيل وظائفهم لتركز على الإشراف بدلاً من التنفيذ المباشر، وسط حالة من عدم اليقين حول المستقبل.
المسؤولية الاجتماعية وسهولة الوصول
في محاولة لضبط إيقاع هذا التسارع، قامت “OpenAI” بتحديث قواعد نماذجها لتعزيز حماية المراهقين، مدخِلة مبادئ جديدة لمن هم دون الثامنة عشرة وضوابط أبوية موسعة، ما يشير إلى انتقال التركيز نحو تصميم يراعي الفئات العمرية. وبالتوازي، عملت “Playlab AI” بشراكة مع “أمازون” على معالجة فجوة الوصول، مقدمة منحاً تغطي تكاليف البرمجيات للمدارس، لتمكين الطلاب والمعلمين من بناء أدواتهم الخاصة، مما يقلل الحواجز المادية أمام تبني التكنولوجيا.
رؤية مستقبلية: الذكاء الاصطناعي “الغبي” لكن الضروري
وفي ختام المشهد، يبرز رأي الملياردير مارك كوبان كخلاصة واقعية لما نحن مقبلون عليه في 2026. يرى كوبان أن الذكاء الاصطناعي قد يبدو “غبياً” أحياناً بسبب أخطاء النماذج مثل “ChatGPT”، لكنه يؤكد أنه ضرورة حتمية لنجاح الأعمال. ويشبه كوبان تجاهل هذه التقنية اليوم بتجاهل الإنترنت في التسعينيات، محذراً من أن الشركات التي لن تدمج الذكاء الاصطناعي في سير عملها ستواجه خطر الاندثار.
تأتي تصريحات كوبان متناغمة مع دعوات ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، الذي دعا للبراغماتية في التعامل مع الذكاء الاصطناعي بعيداً عن مصطلحات التحقير. وتؤكد هذه الرؤى أن التحدي القادم ليس في كمال التكنولوجيا، بل في كيفية تكيف التعليم والأعمال معها، حيث يتوقع كوبان أن يقود الذكاء الاصطناعي موجة ابتكار تخلق ثروات هائلة وتغير شكل الوظائف، بشرط أن يتم دمجها بذكاء في المناهج الدراسية واستراتيجيات الشركات لتعزيز القدرات البشرية لا إلغائها.