في الوقت الذي تعيد فيه كبرى شركات التكنولوجيا صياغة استراتيجياتها العالمية، اتجهت أنظار عملاق التجارة الإلكترونية “أمازون” صوب الشرق الأوسط وتحديداً مصر، لترسيخ قواعدها في القارة السمراء. ففي أواخر شهر أغسطس الماضي، شهدت مدينة العاشر من رمضان بمحافظة الشرقية حدثاً اقتصادياً بارزاً تمثل بافتتاح رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي لمركز أمازون اللوجستي الجديد، بحضور لفيف من الوزراء والمسؤولين. هذا الافتتاح لم يكن مجرد قص لشريط تقليدي، بل إعلان صريح عن تمركز الشركة في السوق المصرية باعتبارها الوجهة الاستثمارية الأولى لها في إفريقيا.
استثمار ملياري وأول مركز من نوعه إفريقياً
يقع المركز الجديد على مساحة شاسعة تبلغ 28 ألف متر مربع، وهو الأول من نوعه في القارة الإفريقية، ما يعكس حجم الرهان الذي تضعه الشركة على هذا السوق الواعد. وفي تصريحات لرونالدو مشحور، نائب رئيس أمازون لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أكد أن هذا المشروع يأتي كجزء أصيل من استثمارات الشركة في البنية التحتية والخدمات اللوجستية، بهدف تسريع وتيرة توصيل الطلبات وتلبية احتياجات شريحة أوسع من العملاء المصريين بكفاءة غير مسبوقة.
وتشير البيانات إلى أن حجم استثمارات “أمازون” في مصر يتجاوز المليار جنيه، حيث نجحت الشركة في توفير أكثر من 3000 فرصة عمل مباشرة، بالإضافة إلى تشغيل 15 محطة توصيل تغطي أنحاء البلاد. هذا التوسع لا يقتصر على الأرقام فحسب، بل يمتد ليشمل تحسين جودة الحياة من خلال توفير فرص عمل وتنشيط قطاع النقل والخدمات المساندة.
ضبط الجودة وتحدي التجارة العشوائية
على صعيد التحليل الاقتصادي لهذا الحراك، يرى المهندس إسلام غانم، استشاري تقنية المعلومات والتحول الرقمي، أن دخول أمازون بهذا الثقل سيفرض معايير جديدة على السوق المحلي. فالشركة تعتمد سياسات صارمة في الجودة لا تقبل نسبة خطأ تتجاوز 1 بالمئة، مع نظام رقابة دوري ومستمر، مما سيرفع حكماً من سقف التوقعات لدى المستهلك المصري ويجبر المنافسين على تحسين منتجاتهم.
ويلفت غانم النظر إلى زاوية غاية في الأهمية، وهي التأثير المتوقع على “التجارة العشوائية” المنتشرة عبر صفحات الفيسبوك، والتي عانى المواطنون معها من تذبذب الجودة وضعف الثقة. دخول لاعب محترف كأمازون سيقود -بشكل غير مباشر- إلى تنقية السوق، حيث ستصبح الموثوقية هي المعيار، خاصة مع قدرة المركز اللوجستي الضخم على تأمين وصول المنتجات في نفس اليوم أو خلال يومين كحد أقصى. كما أن الأثر الاقتصادي سيمتد ليشمل قطاعات غير مباشرة، من خلال التعاقد مع أصحاب السيارات الخاصة وشركات النقل الصغيرة لتنفيذ عمليات التوصيل، مما يفتح نوافذ رزق جديدة للشباب.
تحول استراتيجي في المعقل الأم
وعلى النقيض تماماً من مشهد التوسع والنمو في مصر، تشهد الساحة الأمريكية تحولات دراماتيكية في استراتيجية الشركة للبيع بالتجزئة. فقد أكد متحدث رسمي باسم أمازون نية الشركة إغلاق عدد من متاجرها الفعلية، وتحديداً تلك التي تعمل بتقنية “الدفع الذاتي بدون كاشير”. وستشمل هذه الإغلاقات 57 متجراً من سلسلة “أمازون غو” (Amazon Go) ذات المساحات الصغيرة التي انطلقت أول مرة في سياتل، بالإضافة إلى 15 موقعاً لسلسلة “أمازون فريش” (Amazon Fresh) المتخصصة في البقالة، والتي بدأت كخدمة توصيل فقط عام 2017 قبل أن تتحول لمتاجر فعلية في 2020.
الامتثال للقوانين ومستقبل “هول فودز”
وفي تفاصيل هذا القرار، أوضحت الشركة أن عمليات الإغلاق ستبدأ في وقت قريب جداً، إلا أن المتاجر الواقعة في ولاية كاليفورنيا ستتأخر قليلاً في إغلاق أبوابها امتثالاً لقوانين الولاية الصارمة، التي تفرض على متاجر البقالة والصيدليات تقديم إشعار مسبق مدته 45 يوماً قبل الإغلاق. وفيما يتعلق بمصير الموظفين، أكدت الشركة أنها ستخيرهم بين الانتقال لوظائف أخرى داخل المؤسسة أو الحصول على تعويضات نهاية الخدمة.
ورغم هذه الإغلاقات، لا يبدو أن أمازون ستنسحب من سوق التجزئة الفعلي، بل تعيد ترتيب أوراقها؛ حيث تشير التقارير إلى احتمالية تحويل بعض مواقع كاليفورنيا المغلقة لخدمة سلسلة “هول فودز” (Whole Foods) المملوكة للشركة. وتخطط أمازون لافتتاح أكثر من 100 فرع جديد لـ “هول فودز” خلال السنوات القادمة، في خطوة تؤكد أن العملاق التكنولوجي لا يزال يبحث عن الصيغة الأمثل للجمع بين التسوق الرقمي والواقعي.