تحذر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) من أن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي قد يكون سلاحاً ذو حدين بالنسبة للجيل الجديد، فبينما تساعد هذه التقنيات الأطفال على إنجاز المهام الدراسية وتحقيق نتائج أفضل ظاهرياً، إلا أنها في المقابل قد تعيق عملية التعلم الحقيقي وتقود إلى نوع من “الكسل الفكري”. ورغم أن روبوتات الدردشة المتطورة مثل “Gemini” و”Claude” و”ChatGPT” قادرة على تحسين أداء الطلاب في إتمام الواجبات، إلا أن الباحثين في المنظمة، التي تتخذ من باريس مقراً لها، يؤكدون أن ذلك لا يترجم بالضرورة إلى تقدم فعلي في اكتساب المعرفة.
وهم الإنجاز الدراسي
تكمن الإشكالية الرئيسية في الفجوة بين إنجاز المهمة وبين التعلم الحقيقي؛ فعندما يعتمد الطلاب بشكل مفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي ذات الأغراض العامة، فإنهم يميلون إلى تفويض مهامهم الإدراكية لهذه الآلات. يشير الباحثون إلى أن هذا “التفويض” يخلق مخاطر تتعلق بضعف المشاركة الذهنية وما يُسمى بالكسل ما وراء المعرفي (Metacognitive laziness)، مما يقلل من الجهد العقلي اللازم لتحويل الإجابات الجاهزة إلى فهم عميق ومستدام. وقد أظهرت الدراسات أن الطلاب الذين يستخدمون هذه الأدوات يحققون نتائج ممتازة طالما كانت الأداة متاحة، لكن هذا التفوق يتبخر، بل وقد ينعكس سلباً، بمجرد سحب الأداة أثناء الاختبارات.
في المقابل، لفتت المنظمة إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي المصممة خصيصاً للأغراض التعليمية أظهرت نتائج مغايرة وإيجابية، حيث ساهمت في تحسين جودة التدريس ورفع مخرجات التعلم، ناصحةً المدارس بتوظيف هذه التقنيات بذكاء لإثراء العملية التعليمية وليس لاستبدال الجهد البشري أو العلاقات الإنسانية التي تشكل جوهر التعليم.
أزمة الخريجين الجدد
هذه المعضلة التي تبدأ في الفصول الدراسية تمتد لتشكل أزمة أكبر عند التخرج ومواجهة سوق العمل. ففي الوقت الذي كان فيه خريجو التسعينيات – مثلي تماماً حين دخلت الجامعة عام 1991 – يشهدون ولادة عصر الإنترنت الذي فتح آفاقاً جديدة للوظائف، يواجه خريجو اليوم واقعاً مغايراً تماماً. أذكر حينها كيف كنت أعمل مراسلاً أغطي صعود الإنترنت ومقاهيه، وكنا جيل “ما بين العصرين” الذي سبقت دراسته الطفرة التكنولوجية التي غيرت مساراتنا المهنية لاحقاً.
لكن الأمر مختلف بالنسبة لـ “ألينا مكماهون”، خريجة جامعة بيتسبرغ الحديثة، التي بدأت دراستها قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي حديث الساعة، لتتخرج بعد ثلاث سنوات ونصف في عالم أصبح فيه الـ AI موجوداً في كل مكان. رغم اتباعها النصائح التقليدية التي تُعطى لكل طالب جامعي: “ابنِ علاقات وتدرب”، ورغم حصولها على ثلاثة تدريبات عملية، أحدها في شركة “باراماونت” في لوس أنجلوس، إلا أنها اصطدمت بحائط سد عند البحث عن وظيفة بدوام كامل. الردود التي كانت تتلقاها – هذا إن تلقت رداً – تفيد بإلغاء الوظائف إما بسبب الذكاء الاصطناعي أو الاستعانة بمصادر خارجية. وبعد تقدمها لنحو 150 وظيفة، وصفت ألينا الوضع بأنه “محبط للغاية”.
تحولات قاسية في سوق التوظيف
إحباط ألينا ليس حالة فردية، بل هو انعكاس لواقع جديد يواجهه الباحثون عن عمل. تشير بيانات منصة “Handshake” إلى انخفاض بنسبة 15% في الوظائف المبتدئة والتدريب الداخلي في عام 2025 مقارنة بالعام السابق، تزامناً مع ارتفاع عدد المتقدمين للوظيفة الواحدة بنسبة 26%. ووصل معدل البطالة بين الخريجين الجدد إلى 5.7% في ديسمبر، وهو معدل يتجاوز المتوسط الوطني وحتى معدلات بطالة خريجي المدارس الثانوية.
من غير الواضح تماماً حجم اللوم الذي يقع على عاتق الذكاء الاصطناعي في هشاشة سوق العمل للمبتدئين، إذ تلعب القوى الاقتصادية الأوسع دوراً أيضاً. لكن كريستين كروزفيرجارا، كبيرة مسؤولي استراتيجية التعليم في “Handshake”، ترى أن أصحاب العمل يختارون استبدال أجزاء من الوظائف بالأتمتة بدلاً من إعادة تصميم الأدوار لتمكين الموظفين، فهم “يستبدلون الناس بدلاً من تمكينهم”.
مفارقة الخبرة والتكنولوجيا
المفاجأة الكبرى تكمن في أن الجيل “Z” من الخريجين هو الأكثر تضرراً، وهو ما يخالف النمط التاريخي حيث كانت التحولات التكنولوجية تصب عادة في صالح الموظفين الصغار لكونهم أقل تكلفة وأكثر حماساً لتبني الأدوات الجديدة. إلا أن دراسة حديثة من مختبر الاقتصاد الرقمي في جامعة ستانفورد كشفت عن انخفاض بنسبة 16% في توظيف خريجي الجامعات الجدد في الوظائف المتأثرة بالذكاء الاصطناعي مثل تطوير البرمجيات ودعم العملاء منذ أواخر 2022.
يفسر الاقتصادي إريك برينجولفسون هذا التفاوت بأن الموظفين ذوي الخبرة يمتلكون “معرفة ضمنية” وأسراراً مهنية لم تُكتب في الكتب، مما يسمح لهم بمنافسة الذكاء الاصطناعي أو استخدامه بفعالية أكبر، حيث يمكنهم تمييز متى تكون الأداة مفيدة ومتى “تهلوس” أو تقدم معلومات خاطئة، وهي مهارة يفتقدها الخريج الجديد.
حسابات الربح والخسارة
يعقّد الذكاء الاصطناعي حسابات التوظيف الدقيقة لدى الشركات. فالمتدربون والخريجون الجدد يحتاجون – كما هو الحال دائماً – إلى وقت وموارد للتدريب. وكما أشار سيم خو، الذي أدار برامج الموظفين الجدد في شركة “Raymond James Financial”، فإن المسألة ليست في الراتب بل في “الاستثمار” الذي يتطلبه الخريج الجديد ليصبح منتجاً، والذي قد يستغرق 18 شهراً، ليتفاجأ صاحب العمل بعدها بأن الموظف قد يغادر للبحث عن وظيفة أخرى. وهنا يطرح السؤال نفسه في أروقة الموارد البشرية: “هل سيحل الذكاء الاصطناعي هذه المشكلة لنا بتكلفة أقل؟”.
وقد عززت دراسة أخرى من جامعة هارفارد هذه النتائج، مبينة أن الموظفين الأقل خبرة هم الأكثر تأثراً، وأن الجامعة التي تخرج منها الطالب تلعب دوراً في بقائه موظفاً، حيث كان خريجو المؤسسات النخبوية والمؤسسات الأقل تصنيفاً في وضع أفضل نسبياً من خريجي الجامعات متوسطة المستوى.