قبل وقت طويل من أن تصبح المنازل والمراتب والأقمشة جزءًا من الحياة اليومية، كان البشر يقومون بالفعل بإنشاء أماكن مخصصة للنوم. في أعماق أحد كهوف جنوب إفريقيا، حافظت آثار العشب القديم على تفاصيل صغيرة تكشف عن حياة ما قبل التاريخ: كان أسلافنا يهتمون بالمكان الذي كانوا يستريحون فيه. تشير البقايا إلى أن الصيادين وجامعي الثمار لم يناموا ببساطة على الأرض المتاحة. قاموا بترتيب المواد النباتية، واستخدموا النار للحفاظ على مناطق الفراش، وقاموا بإزالة القمامة القديمة بشكل متكرر قبل إنشاء طبقات جديدة. يقدم هذا الاكتشاف لمحة نادرة عن العادات اليومية في الوقت الذي كانت فيه الثقافة الإنسانية لا تزال في طور التشكل.
يحتفظ كهف جنوب إفريقيا بالعلامات المبكرة لمناطق النوم المنظمة
تأتي الأدلة من كهف بوردر، وهو ملجأ صخري في منطقة كوازولو ناتال في جنوب أفريقيا والذي أصبح أحد أهم المواقع الأثرية لفهم سلوك الإنسان العاقل المبكر.وقد تم احتلال الكهف عدة مرات منذ حوالي 220 ألف إلى 43 ألف عام، تاركًا وراءه آثارًا للأدوات وبقايا الطعام وعلامات على كيفية تنظيم الناس لمساحات معيشتهم. ومن بين الاكتشافات الأكثر غرابة طبقات قديمة من القمامة التي نجت بفضل مزيج غير متوقع من الظروف الجافة والحفاظ على المعادن.تكشف الدراسة المنشورة في مجلة العلوم الأثرية، بعنوان “رؤى مجهرية جديدة في بناء وصيانة الأغطية النباتية منذ ما بين 200000 إلى 43000 سنة مضت في كهف بوردر بجنوب أفريقيا”، أن علماء الآثار فحصوا العديد من رواسب الفرش التي يعود تاريخها إلى ما بين 161000 إلى 43000 سنة مضت، بينما ارتبطت الآثار السابقة من الكهف بحوالي 200000 سنة. تثبت هذه البقايا أن البشر تعمدوا تشكيل مناطق نومهم في وقت مبكر جدًا عن العديد من السلوكيات اليومية المرتبطة بها عادةً.وتتكون القمامة إلى حد كبير من الأعشاب التي تنتمي إلى مجموعة Panicoideae، وهي عائلة نباتية تضم الأنواع المرتبطة بالمحاصيل الحديثة مثل الذرة والدخن. كما تم استخدام مواد نباتية أخرى، ولا سيما نبات البردي، في أوقات مختلفة.
استخدم البشر في عصور ما قبل التاريخ النار لتبريد وحماية فراشهم
الميزة الأكثر لفتًا للانتباه لم تكن وجود السجادة العشبية فحسب، بل أيضًا ما يكمن تحتها. تم وضع طبقات من الفرش بشكل متكرر فوق رواسب الرماد، مما يشير إلى أن النار لعبت دورًا منتظمًا في الحفاظ على مناطق الفرش هذه.وبدلاً من مجرد التخلي عن القمامة القديمة، يبدو أن سكان الكهف قد أحرقوها قبل إعداد سطح جديد. وفي بعض الأماكن، تراكمت طبقات من القمامة والرماد على مدى فترات طويلة من الزمن، مما يدل على أن هذه الممارسة تكررت عدة مرات.ربما كان لاستخدام الرماد غرض عملي. ويشير الباحثون إلى أن هذا كان من الممكن أن يساعد في تقليل الحشرات والكائنات الحية الأخرى غير المرغوب فيها حول مناطق النوم. من المعروف أن الرماد يخلق بيئة جافة يمكنها ردع بعض الآفات، مما يجعله مادة مفيدة للبشر الأوائل الذين عاشوا على اتصال وثيق بالطبيعة.ربما ساعدت الحرائق أيضًا في إزالة المواد النباتية القديمة والنفايات، مما سمح للكهف بالبقاء مساحة معيشة أكثر راحة وراحة.
يكشف الفراش القديم عن العادات اليومية للمجتمعات البشرية الأولى
ويدعم هذا الاكتشاف أيضًا الأدلة المتزايدة على أن البشر في عصور ما قبل التاريخ كانوا يديرون بيئاتهم بدقة. لم تكن أماكن النوم تتعلق فقط باختيار مكان في نهاية اليوم، بل تم تجهيزها وصيانتها واستبدالها حسب الحاجة.